الجصاص

508

أحكام القرآن

ومن سورة حم السجدة بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ) ، فيه بيان أن ذلك أحسن قول ، ودل بذلك على لزوم فرض الدعاء إلى الله ، إذ لا جائز أن يكون النفل أحسن من الفرض ، فلو لم يكن الدعاء إلى الله فرضا وقد جعله من أحسن قول اقتضى ذلك أن يكون النفل أحسن من الفرض ، وذلك ممتنع . وقوله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الآية ، قيل : إن الملائكة تتنزل عليهم عند الموت فيقولون لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب الله خوفه ، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها فيذهب الله خوفه ، وأبشر بالجنة ، وروي ذلك عن زيد بن أسلم . وقال غيره : إنما يقولون له ذلك في القيام عند الخروج من القبر فيرى تلك الأهوال ، فيقول له الملائكة : لا تخف ولا تحزن فإنما يراد بهذا غيرك ، ويقولون له : نحن أولياؤك في الحياة الدنيا ، فلا يفارقونه تأنيسا له إلى أن يدخل الجنة . وقال أبو العالية : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) قال : " أخلصوا له الدين والعمل والدعوة " . قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) . قال بعض أهل العلم : ذكر الله العدو فأخبر بالحيلة فيه حتى تزول عداوته ويصير كأنه ولي ، فقال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) الآية ، قال : وأنت ربما لقيت بعض من ينطوي لك على عداوة وضغن فتبدأه بالسلام أو تبسم في وجهه فيلين لك قلبه ويسلم لك صدره ، قال : ثم ذكر الله الحاسد فعلم أن لا حيلة عندنا فيه ولا في استملاك سخيمته واستخراج ضغينته ، فقال تعالى : ( قل أعوذ برب الفلق ) [ الفلق : 1 ] إلى قوله : ( ومن شر حاسد إذا حسد ) [ الفلق : 5 ] ، فأمر بالتعوذ منه حين علم أن لا حيلة عندنا في رضاه . قوله تعالى : ( واسجدوا لله الذي خلقهن ) الآية . قال أبو بكر : اختلف في موضع السجود من هذه السورة ، فروي عن ابن عباس ومسروق وقتادة أنه عند قوله : ( وهم